عثمان بن جني ( ابن جني )

295

الخصائص

قولهم لمن سدّد سهما ثم أرسله نحو الغرض فسمعت صوتا فقلت : القرطاس واللّه أي أصاب القرطاس : لا يجوز توكيد الفعل الذي نصب ( القرطاس ) . لو قلت : إصابة القرطاس ، فجعلت ( إصابة ) مصدرا للفعل الناصب للقرطاس لم يجز ؛ من قبل أن الفعل هنا قد حذفته العرب وجعلت الحال المشاهدة دالّة عليه ، ونائبة عنه ، فلو أكّدته لنقضت الغرض ؛ لأن في توكيده تثبيتا للفظه المختزل ، ورجوعا عن المعتزم من حذفه واطّراحه والاكتفاء بغيره منه . وكذلك قولك للمهوى بالسيف في يده : زيدا ، أي اضرب زيدا لم يجز أن تؤكّد ذلك الفعل الناصب لزيد ؛ ألا تراك لا تقول : ضربا زيدا وأنت تجعل ( ضربا ) توكيدا لا ضرب المقدّرة ؛ من قبل أن تلك اللفظة قد أنيبت عنها الحال الدالّة عليها ، وحذفت هي اختصارا ، فلو أكّدتها لنقضت القضيّة التي كنت حكمت بها لها ، لكن لك أن تقول : ضربا زيدا لا على أن تجعل ضربا توكيدا للفعل الناصب لزيد ، بل على أن تبدله منه فتقيمه مقامه فتنصب به زيدا ، فأمّا على التوكيد به لفعله وأن يكون زيد منصوبا بالفعل الذي هذا توكيد له فلا . فهذه الأشياء لولا ما عرض من صناعة اللفظ - أعنى الاقتصار على شيء دون شيء - لكان توكيدها جائزا حسنا ، لكن ( عارض ما منع ) فلذلك لم يجز ؛ لا لأن المحذوف ليس في تقدير الملفوظ به . ومما يؤكّد لك أن المحذوف للدلالة عليه بمنزلة الملفوط به إنشادهم قول الشاعر : قاتلي القوم يا خزاع ولا * يأخذكم من قتالهم فشل " 1 " فتمام الوزن أن يقال : فقاتلى القوم ، فلو لا أنّ المحذوف إذا دلّ الدليل عليه بمنزلة المثبت ، لكان هذا كسرا ، لا زحافا . وهذا من أقوى وأعلى ما يحتجّ به لأن المحذوف للدلالة عليه بمنزلة الملفوظ به البتّة ، فاعرفه ، واشدد يدك به . وعلى الجملة فكلّ ما حذف تخفيفا فلا يجوز توكيده ، لتدافع حاليه به ؛ من حيث التوكيد للإسهاب والإطناب ، والحذف للاختصار والإيجاز . فاعرف ذلك

--> ( 1 ) البيت من المنسرح وقد دخله الخرم ، ولو قال : ( فقاتلى ) نجا من ذلك . وقد ذكره أبو رياش كاملا هكذا . وانظر التبريزي في شرح الحماسة . ونهاية الشطر الأول " لا " وانظر الدمامينى في الموطن السابق . ( نجار ) .